الحيرة في حكم الخمس في “عصر الغيبة” والمفيد لا يعرف لمن يسلمه

المهدوية

ورد قانون (الخمس) في آية واحدة من القرآن الكريم هي: “واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله “. (الأنفال، ٤١) وهي كما تبدو تحصر الخمس في مغانم الحرب، وهناك آية أخرى تقع تحت قانون الخمس هي: “يسألونك عن الأنفال، قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين”. (الأنفال، ١) والأنفال هي: ” كل أرض فتحت من غير أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب، والأرضون الموات وتركات من لا وارث له من الأهل والقرابات، والآجام، والبحار، والمفاوز، والمعادن، وقطايع الملوك”.

ولكن الفقه الشيعي الامامي، قام بتوسيع دائرة المغانم لتشمل عامة الأرباح، كما قام بحصر الحق بأخذه للأئمة من أهل البيت (الاثني عشر) باعتبارهم الأئمة الشرعيين المعينين من قبل الله تعالى، وليس لمطلق الأئمة جبايته من الناس، وقام كذلك بحصر توزيعه على أقرباء الرسول فقط، وليس كما يفهم من عناوين عامة لذوي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل.
وقد أكد ذلك الشيخ المفيد، واعتمد في رأيه على نظرية الإمامة وعلى الأحاديث الواردة عن الأئمة أنفسهم، دون ذكر لسندها أو مناقشة في متنها، باعتبارها من المسلمات عند الامامية، كما قال في “تذكرة الأصول” بأنه يأخذ الروايات الضعيفة التي يعمل بها الأصحاب. فقد قال: “الخمس واجب في كل مغنم… والغنائم كل ما استفيد بالحرب من الأموال، والسلاح، والثياب، والرقيق، وما استفيد من المعادن، والغوص، والكنوز، والعنبر، وكل ما فضل من أرباح التجارات، والزراعات، والصناعات عن المؤنة والكفاية في طول السنة على الاقتصاد”.

وقال: إن الخمس “لقرابة الرسول كما بين، وليتامى آل الرسول كما أنزل، ولمساكينهم ببرهان ما شرح، ولأبناء سبيلهم بدليل ما أخبر. وليس لغيرهم في الخمس حق، لأن الله تعالى نزه نبيه (ص) عن الصدقة، إذ كانت أوساخ الناس، ونزه ذريته وأهل بيته (ع) عنها كما نزهه، فجعل لهم الخمس خاصة من سائر الغنائم، عوضا عما نزههم عنه من الصدقات، وأغناهم به عن الحاجة إلى غيرهم في الزكاة. روى أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول: نحن والله الذين عنى الله تعالى بذي القربى الذين قرنهم بنفسه ونبيه (ص) فقال: ” ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ” منا خاصة، ولم يجعل لنا سهما في الصدقة، أكرم الله تعالى نبيه (ص) وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس”.

وبناء على ذلك قال المفيد: “كانت الأنفال لرسول الله (ص) خاصة في حياته، وهي للإمام القائم مقامه من بعده خالصة، كما كانت له (ع) في حياته… وما كان للرسول (ع) من ذلك فهو لخليفته القائم في الأمة مقامه من بعده”. وروى عن الصادق (ع) أنه قال: “نحن قوم فرض الله تعالى طاعتنا في القرآن، لنا الأنفال، ولنا صفو الأموال “. وشرح ذلك قائلا: “يعني بصفوها ما أحب الإمام من الغنائم، واصطفاه لنفسه قبل القسمة من الجارية الحسناء، والفرس الفارة، والثوب الحسن، وما أشبه ذلك من رقيق، أو متاع على ما جاء به الأثر من هذا التفسير عن السادة (ع) وليس لأحد أن يعمل، في شيء مما عددناه من الأنفال إلا بإذن الإمام العادل، فمن عمل فيها بإذنه فله أربعة أخماس المستفاد منها، وللإمام الخمس، ومن عمل فيها بغير إذنه فحكمه حكم العامل فيما لا يملكه بغير إذن المالك من سائر المملوكات” وأضاف: “روى أبو بصير عن أبي جعفر (ع) قال: كل شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن لنا خمسه، ولا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا نصيبنا “.
وبناء على أن (الخمس) حق شخصي للأئمة من أهل البيت، فقد روى الشيخ المفيد عنهم بأنهم قد حللوا الخمس لشيعتهم وحرموه على غيرهم كما ” قال أبو عبد الله (ع): من أين دخل على الناس الزنا؟ قلت: لا أدري جعلت فداك، قال: من قبل خمسنا أهل البيت، إلا شيعتنا الأطيبين، فإنه محلل لهم لميلادهم “.
وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: “قال أمير المؤمنين (ع): هلك الناس، في بطونهم وفروجهم، لأنهم لم يؤدوا إلينا حقنا، ألا وإن شيعتنا من ذلك وآبائهم في حل “.

وبالرغم من أن “الأئمة” لم يكونوا في الواقع يتبوؤون منصب الامامة السياسية (الخلافة) إلا أنهم كانوا يطالبون الخمس من الشيعة لإدامة مرجعيتهم، فقد روى المفيد عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: “إن الله تعالى جعل لنبيه (ص) الأنفال، وهي من بعده للإمام، وأحل لذريته الخمس، فعدوا عليه فأخذوه، ومنعوهم حقوقهم منه”.
وروى عن محمد بن يزيد الطبري قال: كتب رجل من تجار فارس من بعض
موالي أبي الحسن الرضا (ع): الإذن في الخمس. فكتب إليه: “بسم الله الرحمن الرحيم، إن الله واسع كريم، ضمن على العمل الثواب، وعلى الخلاف العقاب، لا يحل مال إلا من وجه أحله الله، إن الخمس عوننا على ديننا، وعلى عيالاتنا، وعلى موالينا، وما نبذل، ونشتري من أعراضنا ممن نخاف سطوته، فلا تزووه عنا، ولا تحرموا أنفسكم دعائنا بما قدرتم عليه ، فإن إخراجه مفتاح أرزاقكم، وتمحيص ذنوبكم، وما تمهدون لأنفسكم ليوم فاقتكم، والمسلم من يفي الله بما عهد إليه، وليس المسلم من أجاب باللسان، وخالف بالقلب، والسلام “.
وروى أيضا عن محمد بن يزيد قال: قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا (ع) فسألوه أن يجعلهم في حل من الخمس، فقال: “ما امحل هذا، تمحضونا المودة بألسنتكم، وتزوون عنا حقا جعله الله لنا، وجعلنا له، وهو الخمس، لا نجعل، لا نجعل، لا نجعل أحدا منكم في حل “.

وحاول الشيخ المفيد أن يجمع بين الروايات المحللة والمشددة فقال: “اعلم أرشدك الله أن ما قدمته في هذا الباب من الرخصة في تناول الخمس والتصرف فيه إنما ورد في المناكح خاصة، للعلة التي سلف ذكرها في الآثار عن الأئمة (ع) لتطيب ولادة شيعتهم، ولم يرد في الأموال، وما أخرته عن المتقدم مما جاء في التشديد في الخمس، والاستبداد به فهو يختص الأموال”.

وبالرغم من كل أحاديث وجوب الخمس ووجوب تسليمه للأئمة من أهل البيت، الا ان الشيعة الاثني عشرية وقعوا في أزمة عنيفة بعد فقد الامام الثاني عشر أو “غيبته” ولم يدروا ماذا يفعلون بالخمس ولمن يسلمونه؟ وكما هو معروف فقد ادعى “النواب الأربعة” أنهم وكلاء “الامام الغائب” (خلال ما يسمى بالغيبة الصغرى الممتدة من ٢٦٠ الى ٣٢٩هـ)، وقد ادعى “النائب الثاني محمد بن عثمان العمري” أن “صاحب الدار” أي الامام الغائب، قد أرسل اليه رسالة يقول فيها:”… وأما ما سألت عنه من أمر من يستحل ما في يده من أموالنا ويتصرف فيه تصرفه في ماله من غير أمرنا فمن فعل ذلك فهو ملعون ونحن خصماؤه، فقد قال النبي (ص): المستحل من عترتي ما حرم الله ملعون على لساني ولسان كل نبي مجاب، فمن ظلمنا كان من جملة الظالمين لنا، وكانت لعنة الله عليه بقوله عز وجل: ألا لعنة الله على الظالمين … وأما ما سألت عنه من أمر الضياع التي لناحيتنا هل يجوز القيام بعمارتها وأداء الخراج منها وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية احتسابا للأجر وتقربا إليكم فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحل ذلك في مالنا؟! إنه من فعل شيئا من ذلك لغير أمرنا فقد استحل منا ما حرم عليه، ومن أكل من مالنا شيئا فإنما يأكل في بطنه نارا وسيصلى سعيرا”.

ولكن “النائب الرابع” الأخير (علي بن محمد الصيمري) لم يوضح مصير الامام ولا مصير الخمس. وقد انتشر فيما بين الشيعة في بداية ما يسمى (بالغيبة الكبرى) “توقيع” رواه محمد بن علي بن بابويه الصدوق في كتاب (إكمال الدين) عن محمد بن محمد بن عصام الكليني، عن محمد بن يعقوب الكليني، عن إسحاق بن يعقوب فيما ورد عليه من التوقيعات بخط “صاحب الزمان” : ” … أما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى أن يظهر أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث”.

وكما يبدو فان الشيخ المفيد لم يقتنع كثيرا بهذه الرواية، وظل محتارا، فقال: “قد اختلف قوم من أصحابنا في ذلك عند الغيبة، وذهب كل فريق منهم فيه إلى مقال: فمنهم من يسقط فرض إخراجه لغيبة الإمام، وما تقدم من الرخص فيه من الأخبار. وبعضهم يوجب كنزه، وتناول خبرا ورد: أن الأرض تظهر كنوزها عند ظهور القائم مهدي الأنام. وأنه عليه السلام إذا قام دله الله سبحانه، وتعالى على الكنوز، فيأخذها من كل مكان. وبعضهم يرى صلة الذرية، وفقراء الشيعة على طريق الاستحباب، ولست أدفع قرب هذا القول من الصواب. وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر عليه السلام: فإن خشي إدراك المنية قبل ظهوره وصى به إلى من يثق به في عقله وديانته، ليسلمه إلى الإمام عليه السلام إن أدرك قيامه، وإلا وصى به إلى من يقوم مقامه في الثقة والديانة، ثم على هذا الشرط إلى أن يظهر إمام الزمان عليه السلام. وهذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدم، لأن الخمس حق وجب لغائب، لم يرسم فيه قبل غيبته رسما يجب الانتهاء إليه، فوجب حفظه عليه إلى وقت إيابه، أو التمكن من إيصاله إليه، أو وجود من انتقل بالحق إليه. وجرى أيضا مجرى الزكاة التي يعدم عند حلولها مستحقها فلا يجب عند عدمه سقوطها، ولا يحل التصرف فيها على حسب التصرف في الأملاك، ويجب حفظها بالنفس والوصية بها إلى من يقوم بإيصالها إلى مستحقها من أهل الزكاة من الأصناف. وإن ذهب ذاهب إلى صنع ما وصفناه في شطر الخمس الذي هو حق خالص للإمام عليه السلام، وجعل الشطر الآخر في يتامى آل الرسول
عليهم السلام، وأبناء سبيلهم، ومساكينهم على ما جاء في القرآن لم تبعد إصابته الحق في ذلك، بل كان على صواب. وإنما اختلف أصحابنا في هذا الباب لعدم ما يلجأ إليه فيه من صريح الألفاظ، وإنما عدم ذلك لموضع تغليظ المحنة، مع إقامة الدليل بمقتضى العقل والأثر من لزوم الأصول في خطر التصرف في غير المملوك إلا بإذن المالك، وحفظ الودائع لأهلها، ورد الحقوق”.

وكما يبدو فان الشيخ المفيد اعتبر (عزل الخمس والوصية به الى أن يظهر الامام) أفضل الآراء التي اختارها من بين الاجتهادات القائمة على الظن والتخمين، بالرغم من أن فتوى (العزل والوصية) تخالف العقل والحكمة من تشريع الله للخمس، ولكن المفيد اختار هذا الرأي لأنه كان يعتقد بأن الخمس حق شخصي للأئمة من أهل البيت، وأن “الامام الثاني عشر الغائب محمد بن الحسن العسكري” شخص حقيقي موجود، وأنه على وشك الظهور، ولذلك لم يذهب المفيد الى ما ذهب فقهاء الشيعة المتأخرون من جباية الخمس، بالنيابة العامة عن الامام الغائب، وتوزيعه في المصالح العامة، أو كما ذهب بعضهم الى سقوط حق الامام الغائب في الخمس، لأنه حق لمنصب الامامة، وليس لشخص الامام.

Ali

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *